المقامة الخالدية (اللينكساوية)

حدّثنا الحرّ بن نظام، قال: دخلتُ مدينة خالد، ذات الشرف العتيد والمجد التالد، فوجدت أهلها أهل كرمٍ وسخاءٍ، وأصحاب نجدةٍ وإباءٍ.
فبقيت عندهم زماناً، لم أعرف طعماً للغربة، ولا رأيت لوناً للكربة، حتى ألفتهم وألِفوني وعند حُسن الظنّ ألفيتهم وألْفوني.
وبينا نحن جلوسٌ ذات يومٍ، في مجلس أنسٍ بلا لومٍ، إذْ وقف علينا رجلٌ غريب، في أطمار قد أدركه المشيب، ورام الجلوس إلينا، وقد ألقى السلام علينا، فردّ الجماعة عليه ردّ الممتعضِ وأفسحوا له على مضضِ.
ثم رجعوا إلى حديثهم فقال أحد القوم: لقد أصدروا في هذا اليوم، نظام نوافذَ جديدًا، ملؤوه فائدة وتجديدا، وقد سمّوه ثامناً، ولست في ذلك مائناً.
فتكلم رجلٌ آخر، فقال: أنا عندي علم حاضر، ولقد رأيت من صوَره، وسمعت من خبره، ما جعلني على يقين، بأنه خيرٌ من السابع الهجين.
فحمِيَ لذلك الجدال، وكثرت الآراء والأقوال، وكاد الجمع يرْفضّ وعلى الخلاف ينفضّ، لولا أن اقترحتُ فكرة التحكيم، فرضيَ الجماعة بالتسليم.
عند ذلك تكلّم الرجل الذي جلس إلينا، فزعم كونَهُ حكماً أمينا.
فنظر القوم إليه بازدراء، وكراهية قعساء، فقالوا له: ومن أنتَ، ومن أعطاك هذا النعتَ.
فأنشأ منشــــداً:
أنا ابن التقنيـات وكـلّ فـــنّ
عن الحاســوب كان أنـا أبوهُ
أغـازلُ فـأرتي في كـــلّ يومٍ
ولوحـاً كم أداعبـــهُ سلُــــوهُ
سلـوا عنّي الرموز إذا جهلتم
فعنــــد محـــرّراتٍ مـا تفــوهُ
وكـل نظـام تشغيـــل خبَرتُ
وأعرف مالكيـــه ومــن بنـوهُ
وأعرف عيبهُ ونقـاط ضعفٍ
وأعرف فضــله لـو فضّــــلوهُ
ولكـــني أراكم قومَ ســــوءٍ
تُسيئـــون الظنـــون بمن تروهُ
ثمّ أعرض عنّا، وقد استشاط غضباً منّا، فجلس منّا مربض الكلب، واستأنس قلّة الصحب. 
ولكن الجماعة لمّا سمعوا كلامهُ، وعرفوا فضلهُ ومقامهُ، طمعوا في رأيهِ، وندموا لنأيهِ؛ فبعثوني لاسترضائه، واستجلاب خيره وعطائه، فجئته مستحياً، وبالاعتذار عمّا جرى مبتدياً، وقُلت لقد لمحنا فيك ذكاءً، ولم يكن فينا اليوم من يغني غناءً، وقد خالف بعضنا بعضاً، ولم ندر أيّ حكمٍ هو أرضى، فافتح بيننا بالزكن، إنْ كنت من أهل هذا الفن.
فلمّا سمع اعتذاري، ورأى خجلي وانكساري، قال: أنا صاحبكم الذي تنشدون، وعندي طلبتكم التي تسألون.
فقام فينا كالأسدِ الهصور، ونطَق نطْق العالم بالأمور، فقال: أراكم في أجيال نظام النوافذ تمترون، وفي مزاياه تخوضون وأنتم تخرصون، ولكنكم لم تأكلوا من البيضة غير القشرِ، ولم تعلموا من فحوى الكتاب إلاّ لون الحبرِ، فأسألكم عن هذا النظام المزعوم، من منكم أدّى حقّه المرسوم؟ وهلْ من مالكيه اشتريتموه؟ أم من قراصنته اقتنيتموه؟
فلم يَحِرْ أحدٌ منّا جواباً وكان ما ظنَّه فينا صواباً، فليس منّا إلاّ قرصانٌ أو مُقَرْصَنٌ له، ولكنهم أجابوه بصفاقة واحتجّوا له بفاقة، فثمن القرص كبير، ويلزمه من بعد ذلك كثير.
فقال عندئذٍ: فأينكم إذاً من نظام بالمجّان، بلا قيود ولا أثمان، أنتم أحرارٌ في ملكه وتعديله، كما أنكم أحرار في نشره وتبديله.
فقال واحدٌ من الجماعة، ولم يكن سمع بهذا قبل الساعة، وهل يوجد نظامٌ في الدنيا بلا مقابل؟ أم هو حديث خرافةٍ باطل؟ وهل مبرمجوه من الأملاك؟ لا يحتاجون ما يُلبس ولا ما يُلاك!.
فقال له: قد كان هذا، سواءٌ أكانوا جنّا أم إنساً، وهم لا يطلبون منكم درهماً ولا فلساً.
فقال: وما فائدتهم من ذلك؟ إنْ كانوا كذلك.
فأجابه: أحرزْ فائدتك أنت ودعْ عنك ما يستفيدونه.
وتكلّم آخرٌ، وكان عنده أثرةٌ من علم، وشيئٌ من فهم، فقال لصاحبه: أنا أعرَف بهذا النظام منكَ، وهم يصفون مستخدمي النوافذ بالنَّوْكى.
فأجابهُ الحكم بجوابٍ أفحمهُ، وكأنّما حجراً ألقمهُ، فقال: لم أسمع من وصفَهم بالحمقِ، ولكنّي أقول بالسبقِ: من كان إلى نظام النوافذ غير مضطرِّ، ولكنه يقتنيه بالمال الوَفْرِ، فهو أحمقٌ أنوَكْ، وإن اقتناه قرصنةً فهو سارقٌ أفتكْ.
فتوارى صاحبنا بين الجموعِ، وهو بيّنُ الخنوعِ.
ثم قام آخرٌ فقال: ولكنّي رأيت هذا النظامْ، وهو ليس في جمال النوافذ بلا كلامْ.
فنظر إليه الحكم شزراً، وعيناه تُلقيان شرراً، وقال: مَثَلُ الذي يترك حرّيته للجمال كمن استرَقَّ نفسهُ لامرأةٍ غانية، حتّى يمتّع ناظرَيه بها في كل ثانية، كيف وهذا الزعم باطل، وهذا النظام الحرّ هو الفاضل، فأسطُحُ المكاتب فيه بالعشرات، وسِماته ومؤثراته بالمئات، أمّا القدرة على التخصيص، فلا يمكن حصرها بالتنصيص.
فقال هذا الرجل: ولكن أكثر الناس بالنوافذ يعملون، وعليها في شؤونهم يعتمدون.
فردّ عليه ردّاً صارماً وكان في حديثه حازماً: إنّ ربّ العباد يقول: ﴿وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِى ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، وما ذُكرت الكثرة في كتاب الله إلا ذمّها.
وأكثر الناس عامّةٌ وأقلّهم خاصّةٌ، والعامّة من العمى، وهو قادهم إلى استخدام النوافذ، فبئس القائد وبئس المقود، وبئس الورد المورود.
ثم قام إليه رجلٌ لبيب، وأظنه كان في مهنة طبيب، فقال: أنبئنا إذن بميزاته إن كنت من وُعاته.
فقال: على الخبير سقطتَ، وخير حبوبها لقطتَ، أمّا النظام فهو نظام حرّ غير احتكاري، ملكٌ لكلّ الناس بلا تماري، مفتوح المصدر، موضوع تحت المجهر، لا يحتوي على الرموز الخبيثة، ولا ينطوي على الغثيثة، نِتاج آلاف الأدمغة، الذكية النابغة، سريع التطوّر، جميل التحوّر، موافقٌ للمواصفات والمقاييس، ولا يأتيك بالغشّ والتدليس، نظامٌ بلا فيروسات، وحمايةٌ بلا تبِعات، به آلاف البرامج المومُوقة، من مصادر آمنةٍ موثوقة، وبه من التخصيص ما يُلائم كل فردٍ، مع كثير من الحرّية بلا تعدٍّ.
عند ذلك قالوا: حسبك حسبك، نظامٌ بلغ من الآمال مُنتهاها، هل صنعوه بين عشيّة وضحاها؟
قال: بل لهُ أزيَدُ من عشرين عاماً، كلّ عام يزيده حُسناً وتماماً، وتدعمه أكبر الشركات، وتستعمله أكثر المخدّمات، وهو نظامُ أقوى الحواسيب، يشهد بذلك البعيد والقريب، ولكن منع من اشتهاره، بعض السياسات الماكرة، وكثيرٌ من المصالح البائرة. فصوّروا للناس أنه فوق مستوى عامّة المستخدمين، وأنّه صعب حتى على المتقدّمين، وأنّه شاشةٌ سوداء، بها أحرفٌ بيضاء، يحتاج ساحراً حتى يشغّله.
فهابَهُ من سمع بِهِ، فلم يجرُؤ على تجريبِهِ، وكان المنفّر عنه أكثر من الداعي إليهِ.
فقال رجلٌ: وهل عندك قرصٌ لهذا النظام؟ حتى نجرّبه يابن الكرام.
فقال: عندي هنا توزيعة النعناع بواجهة القرفة، وعندكم على الشبكة آلاف التوزيعات بلا كُلفة، جربوها بلا تثبيت وهي ميزة نذكرها بلا تفويت.
ولمّا أبان عن مكنونه، ورأينا من عُلوّ قدمه وجُودة مضمونه، تعلّقتُ به لأعرف اسمه، ووشيه ورسمه، لعلّي أستفيد من صحبته، وأستمير من جعبته.
فقال لي: أنا يونس بن سليمان، ولعلّ اللهَ أن يجمعنا في مُقبل الزمان، وأنشدَ:
عليــــكم بالتحــرّرِ إنْ أردتــم
حيــاة العـزّ والشرفِ الرفيــعِ
دعُوكم من نوافـــذَ ضيّـقــاتٍ
وهُبّوا نحـو حصنكمو المنيــعِ
حصونٌ لا احتكار بها ولكن
أمـانٌ مع جـــمالٍ كالربيــــــعِ
سلــــمتم ما بقيـــتم ثم دمتم
بحفـــظ الله مقتـــدرٍ سميـعِ

ثم انصرفَ فلم نسمع له خبراً، ولم نعرف له أثراً.

–------------------------------------------------------------------------------------
- الحر بن نظام هو الراوي واسمه من ماخوذ من النظام الحر المقصود به لينكس بطبيعة الحال.
- يونس بن سليمان هو بطل المقامة واختير هذا الاسم لأن "يونس" أقرب اسم عربي لاسم "لينوس" صاحب النواة، 
أما اسم "سليمان" فهو أقرب اسم عربي لاسم "ستولمان" صاحب مشروع "جنو".

elmakama.tar.gz ملف pdf


3 تعليقات

  1. والله مقامة جااامدة
    ياريت تقولها بصوتك وترفعها مثلا على سااوند كلاود

    ردحذف

Brand creation, trend analysis & style consulting

Lorem Ipsum has been the industry's standard dummy text ever since. Lorem Ipsum is simply dummy text of the printing and typesetting industry. Lorem Ipsum has been the industry's standard dummy text ever since.